الشيخ محمد رشيد رضا
408
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الاجتماعية التي هو منها . والايمان يهدينا إلى هذا وإلى ما هو أعلى منه وأشرف ، وهو أن نشعر أنفسنا عند عمله أننا مظاهر لرحمة اللّه تعالى ورأفته بعباده ، ومجالي لحكمته في إصلاح خلقه ، وان لنا بذلك قربا معنويا من ربنا ، واننا نلنا به مرضاته عنا ، وصرنا به أهلا للجزاء الأوفى . في حياة اشرف من هذه الحياة وأرقى ، وان هذا الجزاء هو المعبر عنه بالاجر العظيم ، وناهيك بما يشهد اللّه تعالى بعظمته في كتابه الحكيم ، وليس هو من قبيل جزاء الملوك والكبراء لمن يحسن خدمتهم ، وينال مرضاتهم ، بل هو أثر فطري طبيعي لارتقاء النفس بتلك الأعمال الصالحة ، التي لا يقصد بها رياء ولا سمعة ، إلى ما يزيد اللّه صاحبها بفضله وكرمه إن المؤمن الفقيه في دينه ، الذي هو على بصيرة منه ، يعمل الخير على هذا الوجه ، حتى ترتقي روحه ارتقاء تصل به إلى ذلك الفضل ، وأما صاحب تلك النظرية الفلسفية فقلما يعمل بها ، وان عمل بها أحيانا فقلما يكون مخلصا في عمله ، وإذا تعارض هواه وشهوته مع خير غيره ومنفعته ، فإنه يؤثر نفسه ولو بالباطل ، على غيره من أصحاب الحق ، فإذا كان مما وصف اللّه تعالى به المؤمنين انهم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، فهؤلاء الفلاسفة ومقلدتهم يؤثرون أنفسهم على غيرهم ولو عن ظهر غنى ، ثم إنهم يميلون في تأويل الخير والنفع مع الهوى ، وقد جرى لي حديث مع بعض كبراء المصريين في تحديد معنى الفضيلة فكان يتكلم بلسان الفلسفة ، وأتكلم بلسان الاسلام الجامع بين الدين والحكمة ، فلما حددها بما ينفع الهيئة الاجتماعية ، قلت إذا كان هذا هو المعنى فما هو الباعث للنفوس على العمل به ؟ قال هو اعتقاد كل فرد أن نفع الهيئة الاجتماعية نفع له فإذا صلحت عاش فيها سعيدا ، وإذا فسدت لحقه شيء من فسادها فكان به شقيا ، قلت معنى الفضيلة إذا أن يطلب الانسان نفع نفسه مع ملاحظة نفع الهيئة الاجتماعية التي يعيش فيها ، فتختلف الاعمال التي تندرج في مفهومها الكلي باختلاف آراء أفراد الناس فيما ينفع الهيئة الاجتماعية وفيما هو أرجح من المنافع عند تعارضها . مثال ذلك إذا قدرت أن تسرق مال رجل أو تخونه فيه إذا استودعك إياه ففعلت ذلك لاعتقادك أنك تقدر على ما لا يقدر صاحب المال عليه من نفع الهيئة الاجتماعية أو